محمد باقر الملكي الميانجي

217

مناهج البيان في تفسير القرآن

« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ » . [ البقرة ( 2 ) / 132 ] وقد يستعمل بدون ذكر المفعول الثاني . قال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ » . [ آل عمران ( 3 ) / 42 ] و « وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ » . [ البقرة ( 2 ) / 130 ] وقد يتعدّى إلى المفعول الثاني ب « عَلَى » مثل الآية المبحوث عنها . ومثل قوله تعالى : « أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ » . [ الصّافّات 37 / 153 ] وقد يذكر ما به الاصطفاء أيضا مثل قوله تعالى : « إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي » . [ الأعراف ( 7 ) / 144 ] والظاهر أنّ الاصطفاء في جميع هذه الموارد على معنى واحد . والمراد منه في أمثال المقام هو أخذه - تعالى - بعض عباده بيد ولايته يربّيه ويؤدّبه ، ويسدّده ويمدّه بكراماته الخاصّة ومواهبه المكنونة . فاختصاصه - تعالى - أولياءه الكرام بالنبوّة والرسالة هو عين الاصطفاء عملا وخارجا ، وعين الكرامة وعين تمكينه وتثبيته عبده في مقام الولاية ، ويرفعه - تعالى - إلى أن يصل مقام الإمامة الكبرى . فالاصطفاء في المرتبة الأولى في مقام الولاية إنّما يتحقّق بالعصمة ، ثمّ لا يزال يزيد طهارة على طهارة وكرامة على كرامة . وهكذا عند استعماله بالباء لا يتحقّق إلّا بالموهبة الخاصّة عملا وخارجا ، فإنّ ترجيحه - تعالى - عبده واختياره وانتخابه واجتباءه بالنبوّة ثمّ بالرسالة ، ثمّ بالكتاب والشريعة كرامة على كرامة وفضيلة على فضيلة . فالاصطفاء بهذه الموارد كلّها من مصاديق الاصطفاء المطلق ، ومن أفراده البارزة وهو عين الاصطفاء العمليّ ، غاية الأمر لا بدّ من المعرفة بالعنايات المتنوّعة ، لا إخراج الاصطفاء عن معناه اللّغويّ . فالاصطفاء على مراتبه المتفاوتة الأعلى فالأعلى شامل للمؤمنين والمتّقين ، والأنبياء والمرسلين إلى أن يبلغ مقام الإمامة الّذي هو من أجلّ مقامات الولاية . والاصطفاء - على ما نعرف من موارده - إنّما هو بالعمل وصنع اللّه الجميل الحكيم . فعليك التدبّر التامّ في الموارد كي لا يشتبه عليك